والأمثال ملك لجميع الشعوب مادامت الدروس الحياتية يمكن أن تتشابه وتتماثل مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة. ومن ثم، فالأمثال(رمعاني) هي عبر ودروس ومواعظ ونصائح، تشتمل على حكم أخلاقية وعملية، يراد منها العمل والتطبيق، بدلا من تكرار نفس التجارب بنفس المعاناة والأخطاء. وغالبا ما يتكون المثل من عبارة محكمة في الصياغة، قوية من حيث التعبير والبلاغة، متوازنة في التركيب والتلفظ، مؤثرة بمعانيها، تثير المتلقي وتستفزه، وتجعله يتأمل جيدا سنن الكون ومنطق الله في ملكوته، ويفكر جيدا في عواقب مجموعة من التجارب البشرية.
ومن المعروف أن لكل شعب مجموعة من الأمثال والحكم يستهدي بها في هذه الحياة، ونذكر من بين هذه الشعوب الشعب الأمازيغي الذي عايش مجموعة من المراحل التاريخية ، وواكب مجموعة من الظروف الحالكة والسعيدة، ومرت به مجموعة من الفتن والمحن والإحن ، والتي جعلته يتفوه بالحكم والعبر، وينطق بالأقوال المسكوكة والعبارات المأثورة والملفوظات السائرة.
ومن بين الأمازيغيين الذين عرفوا بضرب الأمثال، وقول الحكم والعبر، لابد أن نستحضر الريفيين الذين يعيشون في منطقة الريف من الشمال الشرقي من المغرب الأقصى، فقد جعلتهم الحياة الصعبة في المنطقة والتناقضات الجدلية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية يتفوهون بأمثال صائبة وحكم هادفة وعبارات مسكوكة واقعية استخلصت من تجارب الحياة ومشاكلها العويصة. وغالبا ماكان الشيوخ والمسنون الكبار والعلماء والفقهاء والرجال المجاذيب في منطقة الريف هم الذين يضربون الأمثال للشباب والصغار سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، وكانت تضرب تلك الأمثال بطريقة شفوية، فتروى على الألسنة ، وتنقل من جيل إلى جيل، ولم تدون تلك الأمثال المحفوظة في الصدور والعقول إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين وسنوات الألفية الثالثة.
مصطلح الأمثال في المعاجم الأمازيغية:
يسمى المثل في الثقافة الأمازيغية بعدة مصطلحات تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن هذه المسميات نستحضر: ” رمعاني”، و”لمثول أو رمثول” ، و”إمذياثان”، و” أمگناو/إمگناون”، و”ثاخوريست/ ثيخوريزين” ، و” أمتير”.
ونجد في لغة تاشلحيت كلمتين مأخوذتين من اللغة العربية وهما: “إميتيل/ إماتال “، و” معنى / معاني” . أما في تامازيغت، فكلمة المثل لها ثلاث مسميات، وهي: ” إيمعنى،إيمعنات”، و” أداج”، و” إميتال”… وفي اللغة الريفية، نجد ” ميتر وميتار وتيمتير”، وكلمة “رمعاني “، و” أمكناو/أمشناو (مثل) comme ” ، و”تيخوريزين”. وهناك من يسميها بكلمة ” أوار ن زمان”، و”تيفاوين” كما عند المبدع السوسي محمد مستاوي.
والمثل كما هو معروف لدى القراء بمثابة عبارة مسكوكة تعبر عن حكمة الإنسان، وتجربته العميقة في الحياة، فتتحول الأمثال إلى عبر ودروس وآيات للتمثل والعمل والتطبيق والاقتداء. ومن أهم مكونات المثل: الحكاية، والتجربة الإنسانية، و العبارة المسكوكة، والفائدة، والعمل.
هذا، وإذا كان تدوين الأمثال بالريف قد تم في فترة متأخرة على حد علمي منذ سنة ( 2004م)، فإن السوسيين كانوا سباقين إلى التدوين منذ سنة 1980م ، وذلك حينما سارع محمد مستاوي إلى نشر مجموعة من الإصدارات التي كانت تجمع بين دفتيها عددا من الأمثال الشعبية الأمازيغية بعنوان:” نان ويلي زرينين/ قال الأولون” ، والتي نشرتها مطبعة الأندلس بالدار البيضاء، وكذلك في المجموعة التي طبعها سنة2002م ، حيث جمع فيها (930) مثل وحكاية معربة، كما أصدر محمد مستاوي أيضا سلسلة “تيفاوين” في ستة أجزاء من سنة 1985م إلى 1995م.
وعلى أي، فهذه السلسلة عبارة عن جمع للأمثال والحكايات الأمازيغية السوسية ودراسة لها.
ومن جهة أخرى، فهناك مجموعة من الدراسات الاستمزاغية حول أدب الأمثال في الريف يصعب تتبعها وحصرها، بيد أن هناك دراسات معدودة من إنجاز أبناء منطقة الريف . ومن الدراسات في هذا المجال، نذكر:
1-Fernand Bentolila : Proverbes berbères, 840 proverbes du Rif du Haut et Moyen Atlas, du Zemmours, du Souss, 1993;
جمع المستمزغ الفرنسي فرديناند بنطوليلا مجموعة من الأمثال البربرية من عدة مناطق مغربية، منها: الأطلس المتوسط ، والأطلس الكبير، ومنطقة الريف، ومنطقة زمور، ومنطقة سوس. وطبع كتابه سنة1993م، وقد جمع فيه الباحث ( 840 )مثل.
2- Mimoun Hamdaoui: Proverbes et expressions proverbiales amazighs (Le Tarifit), première Edition, 2004, Hilal Impression, Oujda;
تعد هذه الدراسة الأولى من نوعها في الحقل الأمازيغي التي انصبت على جمع الأمثال في منطقة الريف ، وقد نشرها صاحبها في سنة 2004م ، وطبعت لأول مرة في مطبعة هلال بوجدة في(204 ) صفحة من الحجم الكبير. وقد جمع فيها ميمون حمداوي، وهو من مواليد زايو بالناظور ، وأستاذ جامعي في مادة اللسانيات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة، متنا يتكون من( 1207 ) مثل أمازيغي ريفي.
وتتمثل منهجية الباحث في إيراد المثل الريفي، وكتابته بالخط اللاتيني، وترجمته حرفيا ، مع ذكر معناه الدلالي، ورصد أبعاده المرجعية والسياقية . وقد كتب الكتاب باللغة الفرنسية ؛ لأن صاحبه أستاذ في الشعبة الفرنسية، ومتخصص في اللسانيات الأمازيغية.
3- فاطمة بوزيان :( إمذياثن/الأمثال بالريف) ، مجلة الحوار المتمدن، مجلة رقمية إلكترونية، 21/11/2006، العدد: 1741؛
ذكرت فاطمة بوزيان في مقالها القيم مجموعة من الأمثال الأمازيغية التي قيلت بالريف، مع ترجمتها إلى العربية، وذكر الحكاية التي تؤطر هذا المثل، وتشكله دلاليا ومرجعيا وأخلاقيا.
ومن ثم، فمنهجية الكاتبة في مقالها أنها تورد المثل الأمازيغي الريفي ، وتترجمه حرفيا فدلاليا، ثم تسرد الحكاية، أو تبين السياق الذي أفرز هذا المثل، مع توضيح مغزاه الاجتماعي والتربوي والأخلاقي.
4- MOUDIAN Souad : Syntaxe des proverbes rifains;
قدمت الباحثة الريفية موديان سعاد أطروحتها الجامعية حول الأمثال في منطقة الريف، معتمدة في ذلك على المقاربة اللسانية، من خلال التركيز على المستوى التركيبي.
5- محمد ميرة: الأمثال الشعبية في الريف(الجزء الأول)، مطبعة الشرق، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م(159صفحة من الحجم الكبير) ؛
جمع محمد ميرة في كتابه:” الأمثال الشعبية بالريف” ما مجموعه:(258) مثل في مختلف المواضيع التاريخية، وماله علاقة بالتقاليد والأعراف، وما قيل في المرأة، وماله خصوصية جغرافية ومحلية داخل منطقة الريف، وجمع كذلك الأمثال الغابرة ، والأمثال الخلقية والحكمية.
أما منهجية الأستاذ محمد ميرة في كتابه القيم، فقد كان يورد الأمثال بالأمازيغية الريفية أولا، فبالعربية ثانيا، ثم يحدد شرحها اللغوي والقاموسي ، ثم يبين معناها الحرفي ومعناها المقامي والتداولي. وبعد ذلك، يقوم بتأطير الأمثال في موضوع معين، ثم يبدأ الكاتب في شرحها دلاليا، فيحدد سياقها الخاص والعام، ثم يرصد الحكمة والعبرة المرجوتين من تلك الأمثال. وكان محمد ميرة يورد في كثير من الأحيان الحكايات والقصص الشعبية والمعلومات التاريخية التي لها علاقة بتلك الأمثال، مع ذكر خصوصياتها الجغرافية داخل منطقة الريف. وبتعبير آخر، يحدد المنطقة التي قيل فيها المثل، ودلالات ذلك على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتاريخي والثقافي.
زد على ذلك، فقد كان يلتجئ إلى منهجية المقارنة ، وذلك من خلال عقد مقارنات بين الأمثال الريفية والأمثال المغربية والعربية والأجنبية.
المعنى السياقي: كل شيء يمكن إخفاؤه إلا الوجه الذي يصعب ستره.
ما يلاحظ على هذه الأمثال الريفية أنها تحث على مجموعة من الصفات الأخلاقية كالعمل، والإحسان ، والطموح، والتعاون، والأخوة، والتواضع، والصبر، والتجلد، والحذر من عواقب الأمور قبل أن تقع، والاعتماد على الذات. كما تنهى الإنسان في نفس الوقت عن خصال ذميمة، مثل: الرياء، والادعاء، والأنانية، والكيد، والغرور، والظلم، والتطفل، والنميمة، والغيبة، وتضييع الوقت، والتلذذ بالفراغ، ناهيك عن مقتها لخصال أخرى كالسخرية، والاحتقار، والثقة العمياء في المظاهر الزائفة.
كما نلاحظ أيضا أن الإنسان الأمازيغي يهتم كثيرا بالجمال كما في المثال رقم (36) الذي يستوجب أن تكون المرأة جميلة حسناء الوجه فاتنة المظهر. كما يشير المثل الأمازيغي كذلك إلى أن الإنسان الأمازيغي بدأ اليوم يبتعد عن مخالطة الناس، و معاشرة الآخرين، والاحتكاك بهم مخافة من الوقوع في المشاكل التي يصعب الفكاك منها. وبالتالي، يمتنع عن مجالسة كل إنسان هادئ لا يتكلم كثيرا، ويميل إلى العزلة. وبالتالي، يرتكن إلى الصمت المبالغ فيه. وتلمح الأمثال الأخرى إلى وقوع بعض الريفيين في جهل شريعة الله، وعدم الدراية بأقدار سبحانه وتعالى ، والعجز عن تدبر حكمته في الكون والحياة كالمثل الذي يقول بأن الله لا يحسن القسمة بين البشر كما في المثال رقم(37).
ويتبين لنا من خلال الأمثال أن الإنسان الأمازيغي قريب من الأرض والحيوان والطبيعة، حيث يستخدم مجموعة من الدواب كالحمار والحصان ، ويهتم بالفلاحة والرعي، ويربي النحل من أجل الحصول على عسله، ويركب أهوال البحر من أجل أن يصيد الأسماك، ويخاف من لدغات الأفعى، ويتجنب حفرها، ويحذر من حيل الثعلب. وفي نفس الوقت، يقرب إليه الحيوانات الأليفة كالقطط.
هذا، ويندد المثل الأمازيغي بالأنانية، وخدمة المصالح الشخصية، ويستقبح الانتهازية والفكر البراگماتي (المصلحي) ، ويستهجن التفاوت الطبقي والصراع الاجتماعي كما في المثال الأول، ويستنكر الاستغلال والغنى الفاحش المبني على العمل غير المشروع، كما يرفض هذا المثل الأمازيغي أن يحتقر الإنسان الأمازيغي، ويستبدل بالغريب والأجنبي، وذلك محاباة وإرضاء له على حساب أخيه الأمازيغي.
وتتسم الأمثال الأمازيغية الريفية على المستوى الفني بالتكثيف والاختصار والاقتضاب من حيث الصياغة والبناء والتعبير، علاوة على خاصية التوازي والازدواج النحوي والبلاغي والإيقاعي والصوتي.
هذا، وتستند هذه الأمثال بلاغيا إلى الطباق والمقابلة كما في المثال رقم (1). ويرتكز المثل أيضا على الترميز والإيحاء والكناية البلاغية ، واستخدام الإشارات التلميحية كما في المثل رقم (34)، ومثل رقم (36). كما تتجلى الرمزية في استخدام الكائنات الحيوانية، واستنطاقها على غرار كتابات ابن المقفع ولافونتين وأحمد شوقي أثناء إبداع حكاياتهم الحيوانية الرمزية. وتعتمد بعض الأمثال على السجع والتنغيم الإيقاعي والصوتي كما في الأمثال رقم ( 34)، ورقم (7)، ورقم (31).
ومن هنا، فالأمثال الأمازيغية الريفية ذات طبيعة أخلاقية وقيمية تحث على الخلال الحميدة ، وتنهى عن الصفات الشائنة، وقد صيغت بأسلوب رمزي مشبع بالإيحائية والتكثيف الدلالي والعبارات المسكوكة، وهي حبلى كذلك بالخاصية الإشارية والكنائية والتلميح السيميائي والطاقة البلاغية والتنغيم الإيقاعي. وتتفق في كثير من معانيها ومقاصدها مع مجموعة من الأمثال العالمية. ولكن ثمة أمثال ريفية لها خصوصيات محلية وإقليمية، ولاسيما الأمثال الصادقة التي تعبر عن الإنسان الأمازيغي وبيئته الريفية.
إرسال تعليق
انقر لرؤية رمز الإبتسامة
لإدراج التعبيرات يجب إضاف مسافة واحدة على الأقل