فاطمة بوزيان
(اثحاجيت)
إذا كان حضور الحيوان في الأجناس الأدبية العربية قد لفت انتباه الدارسين
والباحثين سواء في مجال الشعر العربي القديم حيث الحضور القوي للحمام والحصان والجمل في شعر امرؤ القيس
والمرقش الأكبر أو في السرديات العربية التراثية كما هو الشأن عند أبي العلاء
المعري في رسالته الصاهل والشاحج والتربيع والتدوير أو رسالة التوابع والزوابع
لابن شهيد الأندلسي وابن المقفع في كليلة ودمنة فإن حضورا مماثلا يلفت الانتباه في
الأدب الأمازيغي وفي أشكاله التعبيرية/ الشعر، المثل، الحكاية الشعبية أو ما يعرف
بـ (اثحاجيت) في الأمازيغية الريفية.
وسنحاول
الإشارة إلى حضور الحيوان في (اثحاجيت) باعتبارها من أبرز الأشكال التعبيرية
الأمازيغية، ونموذجا للتأليف الجماعي الذي ألفه الإنسان الأمازيغي منذ القدم، وذلك
من خلال إضاءة الزوايا التالية :
-
الحكاية – (اثحاجيت) – إبداع شفوي جماعي
-
الحيوان جزء من بيئة الإنسان الأمازيغي الريفي
-
تمظهرات الحيوان في الحكاية –(اثحاجيت) –
إن البحث في الحكاية أو (اثحاجيت) يستلزم الإشارة إلى أنها أدب شفوي ولم يجد طريقه
إلى التدوين كمعظم مكونات الثقافة الأمازيغية مما يصعب عملية البحث ويحول دون
تعميقه، ولكن المقصود بالشفوية هنا أيضا كون الحكاية إبداع جماعي أساسه التدوال
الصوتي حيث يلتقي الرواي بالمتلقي عبر سرد شفوي، والراوي هنا هو في الغالب الأم أو
الأخت أو الجدة، ولأنه إبداع جماعي فهو يمتح من قيم الجماعة وأنماط عيشها ومكونات
بيئتها وهو تعبير عن قيم وتفاعل الجماعة مع الكائنات الأخرى، وبما أن بيئة الإنسان
نبع تمثلاته وسلوكياته وأشكاله التعبيرية فلاشك أن حضور الحيوان في الحكاية
الأمازيغية يؤشر على كونه جزء من بيئة الإنسان الأمازيغي خاصة وأن الطابع الغالب
على منطقة الريف هو الطابع القروي في خريطة جغرافية تتسم بغلبة الجبال وكثافة
الغابات وما استتبع ذاك من مسالك وعرة وفلاحة قوامها الرعي، وهذا الواقع الجغرافي
فرض على الإنسان الريفي معايشة الحيوان ومحاورته باعتباره أبرز كائنات الطبيعة
المحيطة به، فالحيوان وسيلة التنقل الممكنة والمتاحة في جغرافية المنطقة ومصدر
العيش، ومكون أساسي في التغذية العامة: فهي مصدر اللحوم واللبن ومشتقاته والمساعد
الأول في عملية الزراعة والحرث والحصاد وفي تسميد الأرض... وهذه المعايشة أفرزت
سلوكيات مصاحبة على المستوى الاجتماعي أيضا لهذا نجد أن إكرام الضيف لا يكتمل إلا
بذبح حيوان في شكل ديك أو كبش أو شاة تبعا للمستوى الاجتماعي للضيف والمضيف
والاحتفاء بالنفساء لا يتم إلا من خلال إهدائها ديك وبيض والمصالحة لا تكون إلا من
خلال إهراق دم الحيوان على عتبة دار المتصالح معه، بل إن التغزل بالمرأة لا يحلو إلا
بوصفها بالحجلة أو ما يعرف بـ (ثسكوث) فالحجلة رمز الجمال والحب والحرية ومكانتها
في التراث الأمازيغي تضاهي مكانة البلبل في الثراث الإنجليزي، فما هي تمظهرات
الحيوان في (اثحاجيت)؟
إن
المتتبع للحكايات الريفية التي تتناقلها الألسن سيلاحظ أن افتتاحية أي حكاية تتم
عبر لازمة يذكر فيها الحيوان في شكل دجاجة على النحو الأتي (حاجبت ماجيت سكسو ن ثيازيت
نش اذشخ ثمصات شك اتشاذ تتقنصات) بمعنى أحكي لك حكاية كسكس بالدجاجة أنا أتناول
الفخذة وأنت تتناول المعدة، كما تختتم بلازمة يذكر فيها الحيوان في صورة ثور على
هذا النحو (كيخد اسا ذسا اوفيغ أثيويا نتسيرا اسنوفخت اواري ثواث اعفسيت أو يندوز
أو كثخث سدبوز) بمعنى مررت من هنا وهنا عثرت على زوج حذاء أخفيته وراء الباب داسها
الثور فضربته بعصا غليظة أما داخل الحكاية فنجده يتخذ عدة تمظهرات:
-
تمظهر واقعي: وفيه تحضر الحيوانات بشكلها الواقعي وبمسمياتها المتداولة في المعيش
اليومي كالبقر، الحمام، المعز، الدجاج، الثعبان، الغراب، الحجلة، الذئب، الضفدعة،
الكلب، الجمل... لتؤدي أدوارها في حياة أبطال الحكاية كوسيلة للتنقل، أو كمصدر
للغذاء وفي هذا التمظهر لا يساهم الحيوان في تصعيد أحداث الحكاية إلا بشكل محدود
كما أنه يؤشر لقيم إيجابية مثل إكرام البطل عن طريق ذبح ديك أو ذبح كبش على شرف
الملك أججذ أو إنقاذ نونجا من يد ثمزى / الحيوان الأسطوري عن طريق تهريبها على ظهر
الفرس.
-
تمظهر أسطوري: وفيه يتخذ الحيوان مظهرا أسطوريا في شكله واسمه ودوره مثل ثمزى/
الغولة وأمزيو/ الغول أو بقيوعن / صاحب الرؤوس وهو في هذه صفة أسطورية يرمز في
الغالب إلى الشر المطلق فثمزى تقتات على اللحوم البشرية خاصة لحوم الأطفال وتزداد
شراستها عندما يتعلق الأمر بفتاة جميلة مثل نونجا / رمز الجمال أو بشخص غبي مثل أعمار
/ رمز الغباء وهنا بشكل الحيوان شخصية محورية وفاعلة في تصعيد أحداث الحكاية نحو
العقدة وعلى أبطال الحكاية مجابهة قدراته الخارقة بالدهاء والحيلة كما يفعل حمو
نحريمي أو بالشجاعة والإقدام كما يفعل أججذ / الملك، والانتصار يشكل الحل في بنية
الحكاية كما يمثل من الناحية الرمزية انتصارا للخير على قوى الشر ويلاحظ تحول
الحيوان من الصفة الواقعية إلى الأسطورية في المتن الحكائي مثل الحصان الذي تنبت
له الأجنحة من أجل إنقاذ الفتاة اليتيمة من قسوة زوجة الأب والطيران بها إلى مزرعة
أججذ/ الملك، أو الحمامة التي تتكلم لأجل سرد حكاية الخرساء للملك حتى يعيدها إلى
أهلها بعد أن طردتها زوجة الأب.. وهذا التحول من الصفة الواقعية إلى الأسطورية يتم
لأجل حل متناقصات المجتمع وإعادته من حالة اللا توازن إلى حالة التوازن، وفي هذا
دلالة على رغبة الأمازيغي في تجاوز الشر ولو بالاستعاضة بالحلم.. لكن تجدر الإشارة
إلى أن الحيوان يأتي أحيانا في متن القصة أو الأحجية كوسيلة للتحقير مثل الزوج
الذي يحول زوجته إلى بقرة عقابا لها عندما أخبرته ضرتها بأنها أكلت ابنها، أو
كوسيلة للانتقام مثل زوجة الأخ التي وضعت بيض الثعبان في غذاء أخت زوجها حتى إذا
أكلته يفقس فتنتفخ بطنها وتتهم في شرفها فيطردها الأخ وتتخلص زوجة الأخ من
رقابتها، ومثل زوجة الأب التي تغرز الإبرة في رأس ربيبتها فتتحول إلى حمامة تطير
بعيدا فتزوج ابنتها الدميمة لعريس الربيبة... وهنا تؤكد الحكايات على نحو مقصود
أفضلية الآدمي رغم المعايشة المستمرة بينهما/ الإنسان والحيوان، ولفت الانتباه إلى
أن المساواة غير واردة حتى ولو في الحكاية (اثحاجيت).
إرسال تعليق
انقر لرؤية رمز الإبتسامة
لإدراج التعبيرات يجب إضاف مسافة واحدة على الأقل